الشوكاني

258

فتح القدير

قوله ( تبارك الذي بيده الملك ) تبارك تفاعل من البركة ، والبركة النماء والزيادة ، وقيل تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين ، وقيل دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه . وقال الحسن : تبارك تقدس ، وصيغة التفاعل للمبالغة ، واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء ، والملك هو ملك السماوات والأرض في الدنيا والآخرة فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء ، وقيل المراد بالملك ملك النبوة ، والأول أولى ، لأن الحمل على العموم أكثر مدحا وأبلغ ثناء ، ولا وجه للتخصيص ( وهو على كل شئ قدير ) أي بليغ القدرة لا يعجزه شئ من الأشياء يتصرف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام ورفع ووضع وإعطاء ومنع ( الذي خلق الموت والحياة ) الموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته له ، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به ، وقيل هي ما يصح بوجوده الإحساس ، وقيل ما يوجب كون الشئ حيا ، وقيل المراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة . وقدم الموت على الحياة لأن أصل الأشياء عدم الحياة ، والحياة عارضة لها ، وقيل لأن الموت أقرب إلى القهر ، وقال مقاتل : خلق الموت : يعني النطفة والمضغة والعلقة ، والحياة يعني خلقه إنسانا وخلق الروح فيه ، وقيل خلق الموت على صورة كبش لا يمر على شئ إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمر بشئ إلا حي ، قاله مقاتل والكلبي . وقد ورد في التنزيل - قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم - وقوله - ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة - وقوله - توفته رسلنا - وقوله - الله يتوفى الأنفس حين موتها - وغير ذلك من الآيات ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) اللام متعلقة بخلق : أي خلق الموت والحياة ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملا ،